لمحات من علم النفس فی شعر المتنبی

 احمد کاظم  

الأقوال و الأمثال و الحکم تمثل جملا أو عبارات تعجز الحذلقة و السفسطة اللغویة عن محاکاة دلالاتها و معانیها، و تتوارثها الأجیال لتوضیح وجهة نظر او للاستشهاد بها لحسم مناقشة أو جدل. هی عبارة عن صیاغة مرکزة لوصف سلوک أو تعبیر عن فکرة اختزلت فیها اللغة إلى الحد الأدنى بدون أن یؤثر ذلک على المعنى المطلوب. دلالاتها و معانیها قد تکون اجتماعیة کالإرشاد او السخریة او المدح و الذم ، أو سیاسیة أو فنیة. مفرداتها و صیاغتها قد تکون شعبیة أو فصحى و أحیانا تتفوق إحداهما على الأخرى. الشعبیة منها قد لا تعتمد على التحصیل الثقافی و العلمی و هی ثمرة خبرات و تجارب معیشیة مر بها قائلها. حکم الشعراء و أقوالهم عادة ما تکون بیتا أو جزءا من بیت من الشعر و الکثیر مما قاله المتنبی (ذهب مثلا) کما یقولون و هذه بعض النماذج.

 

من یهن یسهل الهوان علیه    ما لجرح بمیت أیلام
ذلّ من یغبط الذلیل بعیش    رب عیش أخف منه الحمام
الشطر الأول له أبعاد سلوکیة تصف حال من یتقبل تکرار الجور و الضیم حیث یصبح هذا القبول قاعدة و الهوان أمرا طبیعیا. أما الشطر الثانی فیصف حاله بعد أن خسر کل ما یملک من کرامة و اصبح الموت اهون من الحیاة. یمکن استبدال یهن  و الهوان بفعل و أسم آخرین و الوصول إلى نفس النتیجة و هی أن التکرار یؤدی إلى (الإدمان). قبول اکثریة بحکم و تسلط اقلیة جائرة هو نوع من هذا الادمان.  یفخر علم النفس الحدیث باستنباط قاعدة التعود السلوکی (الأفعال الشرطیة ، الاشراطیة) بالتکرار المتزامن مع عقاب أو ثواب لاستحداث أو إزالة ظواهر سلوکیة مقبولة أو غیر مقبولة و قد سبقه المتنبی بأکثر من ألف سنة.

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى  ظمئت وأی الناس تصفو مشاربه
إذا کنت فی کل الأمور معاتبا        صدیقک لم یبق الذی لا تعاتبه
هذا البیتان لهما نفس الدلالة و إن اختلفت المفردات و یصفان سلوکیة الجدل و الاعتراض على کل شاردة و واردة مما یؤدی إلى ابتعاد الآخرین و العزلة الاجتماعیة. البعد الآخر لهما هو أن الفرد غیر کامل الصفات مما یستوجب التسامح و رحابة الصدر و تقبل الهفوات و إلا ظمأ من لم یشرب الماء العکر أحیانا و لن یبقى لدائم المعاتبة صدیق أو رفیق.

الظلم من شیم النفوس فإن تجد    ذا عفة فلعلة لا یظلم
الاعتقاد السائد هو أن الإنسان بطبیعته و سلیقته محب للخیر و العدل و لکن المتنبی یقلب هذا الافتراض لیؤکد أنه أنانی و غیر عادل و إن لم یفعل فلغایة فی نفسه. فی أکثر الأحیان یکون الرادع الخوف من العقاب الدنیوی المتمثل بالقانون و  الثار ، أو عقاب الآخرة  لمن یؤمن به. من الملاحظ اجتماعیا أن الفرد یدعو إلى العفة و  العدل عندما یکون فی موقع الرابح و یجد المسوغات لظلمه عندما تتعرض مصالحه للخطر. مفهوم الظلم لا یقتصر على الظلم المادی بل یتعداه و قد یکون عاطفیا أو اجتماعیا.

و کم من عائب قولا صحیحا      و آفته من الفهم السقیم
و من یک ذا فم مر مریض        یجد مرا به الماء الزلالا
دلالة هذین البیتین واحدة و هی أن من لا یفهم یعیب ما هو صحیح بسبب عدم فهمه کما هو الحال عند المریض الذی تعیق مرارة فمه تذوق الأشیاء فیصبح کل شیء مرا. العبرة هنا هی التحذیر من أن عدم المعرفة یشوه الأحکام و یؤدی إلى التعصب.

علیک إذا هزلت مع اللیالی  و حولک حین تسمن فی هراش
یشیر هذا البیت إلى المنافقین من ذوی المصالح فهم یزیدون عسرک عسرا عندما تکون فی ضائقة ، و لکنهم فی هراش (تزاحم الکلاب على العظام) طلبا للمنفعة عندما تکون فی یسر.

و وضع الندى فی موضع السیف و العلا  مضر کوضع السیف فی موضع الندى
العاقل من یتصرف بما یناسب المقام، فالکرم له موضع و الشدة و الحزم لهما موضع، و استبدال الواحد بالآخر له مضار لأنه یشجع المسیء على الإساءة و یردع المحسن عن إحسانه و هذا یتعارض مع مبدأ العدالة و الثواب و العقاب. یمکن استبدال الندی و السیف بالحلم و الغضب أو الجد و الهزل أو الخیر و الشر لأن القاعدة هی التحذیر من وضع الأضداد الواحد بدل الآخر.

إذا أنت أکرمت الکریم ملکته    و إن أنت أکرمت اللئیم تمردا
یشیر البیت إلى أن من جبلت نفسه على الخصال الحمیدة یقابل الإحسان بأکثر منه بعکس اللئیم الذی یزداد لؤما. علم النفس یؤکد صعوبة بل استحالة حدوث تغییر جذری فی الشخصیة بعد تکامل خصائصها السلوکیة و الخلقیة ، فالکریم یبقى کریما و اللئیم قد یزداد لؤما.

و من ینفق الساعات فی جمع ماله  مخافة فقر فالذی فعل الفقر
عندما یمنع جمع المال و تکدیسه التمتع به خوفا من الفقر یعیش المرء فقیرا و لو أنه غنی ، و إذا اصبح جمع المال غایة و لیس وسیلة فهو مرض لأن الخوف من الفقر یصبح وهما یعیق العیش الکریم.

و مهما تکن عند مریء من خلیقة  و إن خالها تخفى على الناس تعلم
علم النفس التحلیلی اعتمد فی مجمله على الغرائز و العقل الباطن (لتفسیر) سلوک الإنسان و اعتبر ذلک إنجازا علمیا  لسیجموند فروید الذی کتب الکثیر حول هذا الموضوع لتعمیمه. المتنبی اختصر کل ذلک ببیت واحد من الشعر ، و أضاف ألیه بأن محاولة إخفاء خصائص الشخصیة غیر مجدی لأن الطبع یغلب التطبع. الإمام على (ع) سبق المتنبی بمقولته (ما أضمر أحد شیئا إلا و ظهر فی فلتات لسانه و على قسمات وجهه) و قد کتب فروید بإسهاب عن أهمیة زلات اللسان و تعبیر الوجه فی الکشف عن النوایا و العواطف.
/ 0 نظر / 60 بازدید