مشکلات الترجمة العربیة : مقاربة میدانیة


ثانیاً : إطلالة حول مشکلة ترجمة الشعر

وهنا یمکن أن نتذکر أن الترجمة الحاذقة قد تسبق أو تضارع العمل الأصلی من خلال إکسابه نکهة مضافة ولاسیما فی الشعر الذی تمیل به الترجمة الحرفیة أو الضعیفة إلى تشویه لمعانه، وقد تکسبه ألقاً مضافاً، فمثلاً یشیر ألدوس هکسلی Aldous Huxley فی "الموسیقى فی اللیل" إلى أن إعجاب الشاعر الفرنسی بودلیر بالشاعر الإنکلیزی إدغار ألَن بو یعود إلى أن الترجمة إلى الفرنسیة قد تجاوزت طریقة النظم الإنکلیزیة (التی تعانی عادة من الجفاف الموسیقی)، مما جعل بودلیر یطرب لترجمة شعر إدغار آلَن بو لأنها تتمتع بلطافة موسیقیة أُحکمت موازینها على نمط الشعر الفرنسی الموزون (بتأثیر المترجم طبعاً).

وإذا بدا للمتلقی أن الحادثة السابقة التی توحی بأن اللغة المترجمة إلى الفرنسیة تکتسب بالطبیعة ألقاً خاصاً هی حادثة موغلة فی القدم، فسوف نرى فی الحادثة التالیة المعاصرة کیف أن ترجمة عبد اللطیف اللعبی للشاعر السوری محمد الماغوط ، من العربیة إلى الفرنسیة، لقیت ثناءً من نقاد فرنسیین مشهود لهم، رغم أن الماغوط کان شاعر نخبة (توفی قبل عدة سنوات) وکانت جرأة انتقاده أشد تألقاً من إشعاع فنه، وتکاد الترجمة الفرنسیة لمترجم بارع مثل اللعبی تفوق الأصل جمالیاً على نحو ما ذکرنا سابقاً من إعجاب بودلیر بجمال نظم إدغار ألَن بو([2]). 

وتقتضی الأمانة أن نشیر إلى أن هذا الموضوع تعرض إلى أخذ ورد على صفحات الحیاة فی تسعینات القرن الماضی، والأفضل أن لا نغرق فی هذا الموج الانتقادی المتضارب الذی یلهی القارئ (عن کل مکرمة) ولا ینتهی به إلى شاطئ السلامة.  وعلى الأرجح ینطبق هذا الحکم المتعلق بالخلافات حول الترجمات الشعریة إلى الفرنسیة على ترجمة الشعر بوجه عام.  وهنا من الواضح أن الترجمات الشعریة إلى اللغة العربیة لم تلقَ أی نجاح أو رواج، اللهم إلا إذا کانت القصیدة المترجمة متعلقة بحادثة ما ذات أهمیة أو باسم لامع جداً.

وهنا طبعاً نتذکر مقولة الجاحظ المعروفة: " الشعر لا یستطاع أن یُترجم ولا یجوز علیه النقل، ومتى تحوّل تقطّع نظمه وبطل وزنه وضاع موضع التعجب منه ..." وکان الجاحظ قاطعاً فی هذا المجال وکرّر مثل هذه الفکرة أکثر من مرة.  ومثله کثیرون فی هذا العصر، وبعضهم یذهب إلى التأکید أن "ترجمة الشعر إلى لغة أخرى مستحیلة" مهما اختلفت الترجمات، بل إن اختلاف ترجمات شاعر مثل غوته وعمر الخیام وغیرهما من المشاهیر إلى اللغات الأخرى تقدم أکبر دلیل على ذلک([3]).

ثالثاً : الترجمة من الناحیة المعرفیة

العولمة، الإنترنت، الثورة الاتصالیة، تفوُّق اللغة الإنکلیزیة، وغیرها من مؤشرات تطور العصر، مردداتٌ قد توحی بتراجع الترجمة، ولکن شهدت العقود الثلاثة الأخیرة من القرن العشرین والعقد الأول من القرن الحالی توسعاً مذهلاً فی الإقبال على الترجمة بین اللغات.  وربما على تمام المستوى من الأهمیة تطور حقل الدراسات المتعلقة بالترجمة من ناحیتی النظریة والتطبیق.  وقد تعددت مناشط الترجمة وتنوعت وأصبحت تشکل حقلاً معرفیاً قائماً بذاته.  وتشیر الدلائل إلى أنه سیتبلور قریباً فی شکل نظام معرفی discipline شأنه شأن الأدب المقارن أو النقد الأدبی.  وقد رفدته الدراسات الثقافیة المعاصرة Cultural Studies رفداً قویاً من خلال ترکیزها على قوة العامل الثقافی ذی الترکیب المتداخل والمعقد، فی تشکیل طرق تقرب البشر من شؤون المعرفة والعلم والأدب والفن من جهة وشؤون السلوک والأخلاق والعمل والتفاعل الاجتماعی من جهة أخرى.  وبالطبع هنا ترد الترجمة بوصفها عاملاً فعالاً فی تلقیح الأفکار وتطویرها وإعادة تشکیلها، وذلک بصرف النظر عن صحتها أو دقتها أو مناسبتها أو فائدتها المنظورة أو انسجامها مع طبیعة التراث المتلقی الذی تحاوره.

وقد ازداد الموقف المعرفی للترجمة قوةًً، وکسب أیْداً کبیراً من خلال الدراسات الأنثویة Feminine Studies، التی رفعت من شأن الترجمة وقیمتها الفکریة، وحاولت أن تنقلها من خانة الحرفة إلى خانة نظام معرفی ٍ مستقبلی یکاد یطغى على أنظمة معرفیة کانت حتى الآن تُعتبر اللسان الذهبی للعصر مثل الأدب المقارن، الذی جرى فی الآونة الأخیرة تحدّیه إلى درجة أن کاتبة مثل سوزان باسنت تجد فیما یسمى: دراسات الترجمة Translation Studies حلاً لما یعتقد أنه معضلة الأدب المقارن وتبشر بمستقبل وضّاء لهذه الدراسات فی السنوات القلیلة القادمة.  یلاحظ هنا أن إسهام النساء فی الترجمة ودراساتها فی الغرب أصبح عاملاً فی "تأنیث" مفهومات الترجمة والدراسات المتعلقة بها.([4])

ولکن الحدیث جرى حتى الآن فی إطار الثقافة والأنظمة المعرفیة الأدبیة، وتعتبر الخطوة الردیفة فی الأهمیة ما تمّ علمیاً من وصل الترجمة بمجالات البحث اللسانی وسیمیائیات التلقی والتناصّ.  إلا أن هذا لیس کل شیء، فالترجمة تتجه منذ منتصف القرن العشرین بقوة إلى أن تکون علماً موضوعیاً بکل ما فی الکلمة من معنى.  والحق انه مع تعدد نظریات الترجمة وتقنیاتها وأنواعها وأغراضها بات ضروریاً جداً أن ینتظمها القانون العلمی، ولاسیما أن الترجمة الآلیة Machine Translation باتت تطغى على السوق العملی للترجمة وتنضج طرقها وتأخذ مکانها فی عجلة الإنتاج الترجمی ذی الطاقة الهائلة والسرعة المذهلة ولاسیما فی المجالات العلمیة والتوثیقیة والتجاریة....

وإذا ترکنا الناحیة النظریة وتعقیداتها وأتینا إلى الناحیة العملیة، نجد أنه أصبح من فضول القول الحدیث عن أهمیة الترجمة فی التفاعل والتلاقح بین الثقافات، وفی تقریب أفکار البشر بعضها من بعض، وفی إحلال التفاهم محل سوء الفهم والمرددات المتحزبة والتعمیمات الرائجة stereotypes ، وکذلک فی إیقاظ کل ثقافة، بل کل لغة، من أوهام الکهف أی من المبالغة فی الرفع من شأن إرثها الثقافی والإزراء بقیمة الثقافات الأخرى.

وبالمقابل یستطیع المرء أن یحصی للترجمة کثیراً من السیّئات، من مثل إدخال الأفکار الهجینة، وانتقاء ما هو برّاق ومخادع من الثقافات الأخرى مقابل الانصراف عن الرصین والعمیق والمفید، وکذلک سوء الترجمات وضعفها وخیانتها للأصل لدرجة أنها قد تزیف المضامین وتقدم للمتلقی ضروباًً من الأوهام والأباطیل من شأنها أن تشکل صورة مشوّهة تُبنى علیها فیما بعد قناعات ومواقف لیس لها أساس، وقد تتطور المسألة إلى درجة أن تصبح آفةً تاریخیة یتوارثها الآباء عن الأجداد والأبناء عن الآباء.

والحق أن الإجماع منعقد بین العارفین على أنه مع اتساع حرکات الترجمة فی العالم، وازدیاد عدد اللغات الداخلة فی السباق الترجمی، ومع عدم توافر آلیات (میکانزم) ذات کفایة للضبط والإشراف، تسود یومیاً الترجمات التجاریة الرخیصة السریعة وتتسابق على أبواب الأسواق ونوافذ العرض، بینما تقبع الترجمات الرصینة والدقیقة والمسؤولة خلف کشافات الأضواء، أو فی عتمة الرفوف والأروقة، لا یعبأ بها جمهور المتلقین، هذا إذا علم بها أصلاً.

والمشکلة انه فی صمیم تکوین عملیة الترجمة توجد أرضیة قویة تزیّن للمترجم وتسهل له فرصة الانحراف إلى عَرَض الاستهواء وبهرج الزیف والطلاء.  وإذا کان الإیطالیون یقولون إن الترجمة تعنی الخیانة traduttore traditore (حرفیاً المترجم خائن)، فالفرنسیون – على طریقتهم – أعطوا صورة أخرى طریفة إذ وصفوا الترجمات الزاهیة بأنها الترجمات غیر المخلصة les belles infidèlles  (الجمیلات الخائنات)، أی أن الترجمة إما أن تکون جمیلة ولکن خائنة وإما أن تکون أمینة فهی بالضرورة قبیحة.  وإنه اختیار صعب أمام المترجم بل إن هذا الاختیار أشبه بهاجس یؤرق العاملین فی مجال الترجمة فی کل لحظة من عملهم ویسبب لهذا العمل کدراً کثیراً ناتجاً عن التردد والحیرة، على حین ینبغی أن یکون عمل الترجمة انسیابیاً ومتماسکاً لیستطیع أن یفی برواء الینبوع الأصلی وأن یحمل مسحة من بکارته وإغوائه.

رابعاً : کلمة حول الترجمة العربیة

لوحظ فی السنوات الأخیرة من القرن العشرین وفی السنوات القلیلة الأولى من القرن الحالی التفات قوی فی الوطن العربی باتجاه الترجمة.  وبعد أن کانت الترجمة مهملة نسبیاً فی مجال النشاط الثقافی العربی، کما تدل على ذلک المتابعات المسحیة للیونسکو، ولاسیما الإصدار الدوری : فهرس الترجمة Index Translationumالذی یتابع تطورات نشر الکتب المترجمة فی جمیع أنحاء العالم.

وتشیر القوائم المنشورة حتى أواخر القرن العشرین فی هذا الدلیل حول النشاط الترجمی فی البلاد العربیة، تشیر إلى فقر شدید فی هذا المجال بالمقارنة مع بلدان العالم الأخرى من الناحیتین الکمیة والکیفیة، ولا یکاد یوجد أثر لخطط مستقبلیة أو تخصصیة، اللهم إلا ما تفعله وزارات الثقافة والهیئات الرسمیة أو شبه الرسمیة من ناحیة تخصیص سلاسل معینة حسب موضوعات مختارة مع تفاوت کبیر بهذا الشأن بین کل قطر عربی وآخر.  ویأتی فی مقدمة هذه الخطط المشروع المتمیز الذی سبق إلیه المجلس الوطنی للثقافة فی دولة الکویت تحت اسم "عالم المعرفة" وهی سلسلة متمیزة فی اختیار الموضوعات وکذلک فی دقة الترجمة.  وتلاه بعد ذلک بزمن مشروع الشامل للمجلس الأعلى للثقافة فی مصر العربیة الذی سبقته فی مصر موجات جادة من الاهتمام بالترجمة.  إلا أن مثل هذا المشروع وسواه من مشروعاتٍ أضیق نطاقاً مثل الجهود الترجمیة لوزارات الثقافة فی کل من سوریا والعراق وأقطار عربیة أخرى قد مضت دون أی تقییم منهجی سوى التقییم الکمی والمعرفی أی عدد المنشورات المترجمة وأحیاناً تنوعات تخصصها، مع تفاوت بین کل مشروع وآخر.  وهذه کلها جهود رسمیة غیر خاضعة لقانون العرض والطلب.  والى ذلک کانت هناک دائماً إصدارات سباقة لدور النشر غیر الرسمیة ولاسیما فی لبنان ومصر وکان ترکیزها بطبیعة الحال على الإنتاج العالمی الرائج، ولاسیما فی المجالات الأدبیة والسیاسیة والترفیهیة، ولبعضها سبقُ فی إصدار المعاجم أیضاً.  کما ظهرت فی الآونة الأخیرة مشروعات ترجمة شاملة وجریئة فی دول الخلیج العربی.  وهناک مشروعات أخرى تمولها وتدیرها دول أجنبیة. ([5])

وهناک إجماع واضح على أن الترجمة العربیة کانت (وربما ما زالت) شبه سائبة، أی یختلط فیها الحابل والنابل، وتفتقر إلى معاییر للتقییم، سواء من ناحیة الأمانة العلمیة أو من ناحیة السلامة اللغویة للّغة المستهدفة Target Language ، وهی غالباً اللغة العربیة، وهذا هو العجب العجاب.

وهناک استثناء وحید هو ما تنشره المجلات الأدبیة بین حین وآخر من مساجلات ومشاحنات بشأن بعض الترجمات – ولاسیما الأدبیة والفکریة – التی ینشرها أساتذة ومترجمون لهم مکانة رفیعة.  وبوجه عام ظلت النظرة إلى الترجمة مشوبة بشیء من التصنیفیة السلبیة، أی اعتبار الترجمة عملاً مکملاً وبعیداً عن الإبداع ولا یستحق التدقیق.

وحتى یوم الناس هذا یصعب أن یطمئن المرء إلى وجود تغیُّر فی الموقف العام من الترجمة، اللهم إلا من الناحیة الکمیة التی تتمثل فی الجوانب التالیة:

-  زیادة ملحوظة فی عدد المؤهلین المقبلین على مهنة الترجمة بینما کانت تعدُّ مهنة إضافیة، أی عملاً مکملاً لأنواع أخرى من المهن ولاسیما تدریس اللغات الأجنبیة.

-  زیادة فی کمیة الإنتاج الترجمی، أی فی عدد الترجمات المنشورة، إلا أن هذه الزیادة یجب أن تقاس من خلال منظور نسبی أی لیس بالمقارنة مع الوضع السابق فی الوطن العربی، ولکنها إذا قورنت بالزیادة شبه الخیالیة فی النشاط الترجمی على المستوى العالمی تبدو باهتة شأنها شأن أنواع النشاط المعرفی الأخرى فی الوطن العربی.

-  قفزة فی مجال مؤتمرات الترجمة على المستوى العربی الشامل فی بضع السنوات الأولى من القرن الجدید، على حین کانت هناک ملتقیات محدودة فی بعض الأقطار العربیة، أو کانت هناک بنود محددة حول الترجمة کما حدث أحیاناً فی : مؤتمرات الاتحاد العام للأدباء والکتاب العرب.  وذلک کله إلى جانب نشاطات محدودة فی بعض الجامعات العربیة.  ویلاحظ أنه خلال السنوات القلیلة الماضیة عقدت مؤتمرات مهمة جداً فی مجال الترجمة على المستوى العربی الشامل.  وذلک إلى جانب نشوء مؤسسات متخصصة بالترجمة، غالباً بفضل أفراد أثریاء محبین للمعرفة، وأحیاناً أخرى بمبادرة من هیئات المجتمع المدنی وبدعم من العاملین فی مجالات الترجمة، وأحیاناً أخرى من خلال مؤسسات عربیة جامعة مثل "المنظمة العربیة للتربیة والثقافة والعلوم".  (أنشأت للمرکز العربی للتعریب والترجمة والنشر والتألیف وخصصت له میزانیة سنویة لا تکفی لأی بند من هذه البنود العریضة).  ثم کانت النقلة الرسمیة باتجاه الترجمة من خلال إنشاء "المنظمة العربیة للترجمة".

وهکذا جاءت القفزة المذهلة من خلال تعدد مراکز الترجمة ومؤسساتها فی الوطن العربی، ولاسیما فی الإمارات العربیة المتحدة والمملکة العربیة السعودیة ومناطق أخرى من الخلیج العربی، وقد جرت الإشارة سابقاً إلى سبق المجلس الوطنی للثقافة فی دولة الکویت بالإنجاز المبکر لمشروع "عالم المعرفة" ، کأنما العرب أفاقوا فجأة على أهمیة الترجمة، وبدأوا کالعادة یتنافسون فی افتتاح المراکز، وإنشاء دبلومات الترجمة فی الجامعات ولکن دون أی اهتمام بالتنسیق أو التکامل أو تجنب تکرار الجهود والتمویل للهدف الواحد.

هذا من الناحیة الکمیة، وکله خیر وبرکة.  ولکن یلاحظ أن قانون التحولات الکمیة باتجاه تبلور کیفی یصعب أن ینطبق على الإنتاج المعرفی الحالی فی البلاد العربیة، حتى فی مجال الترجمات الأدبیة والفکریة ذات الموضوع الراقی، وذلک بسبب فقدان المعاییر واضطراب ترجمة المصطلح وغیاب أی منظومة للتقییم والنقد متفق ٍ علیها اتفاقاً ملفوظاً أو ملحوظاً.  ونادراً ما نقرأ فی الدراسات الأدبیة أیة بحوث معمقة حول المستوى الفنی واللغوی للترجمات، بل مستوى الأداء والأمانة، باستثناء المشاحنات التی تثار فی الجرائد والدوریات العامة.  ومن المأمول أن یقود التقدم الملحوظ فی الدراسات النظریة حول الترجمة إلى التوصل لما یشبه المعاییر العامة.

أخیراً:

تذکرنا هذه المنافسة وهذه التعددیة بمقالة میخائیل نعیمة المشهورة فی أوائل القرن الماضی بعنوان "فلنترجم".  إذ تأخرت قراءتها حوالی قرن من الزمان.  ولاشک أن جمیع العاملین فی المجالات العامة یعرفون جیداً أن هذه الظاهرة التنافسیة التکراریة واردة جداً فی مختلف مستویات العمل السیاسی والاجتماعی والثقافی العربی.  وقد أسمیتها فی بعض دراساتی بظاهرة التفکیر الموجی عند العرب، إذ إن قانون التفکیر الجماعی عند عرب هذا العصر یأتی على شکل موجات، فیوماً فلسطین وبعدها الوحدة العربیة، وبعدها السلام العادل، وبعدها الدیمقراطیة، وهی انتقالات لا تعنی أن کل موجة استنفدت أغراضها، وإنما تأتی تهرباً من الالتزامات (غیر اللفظیة) المترتبة على کل موجة من الموجات العارمة.

خامساً : معضلة اللغة العربیة فی الترجمة

منطقیاً یجب على المترجم أن یکون مؤهلاً وضلیعاً باللغات التی تدخل فی مجال عمله... فهل تحتاج هذه الحقیقة إلى تأکید أو برهان؟

نعم .. إنها تحتاج إلى التأکید فی مجال الترجمة العربیة الراهنة.  ذلک أنه حتى أمدٍ قریب کانت الترجمة العربیة تتمّ غالباً دون تأهیل.  وفی معظم الحالات کانت المشکلة أشدَّ وضوحاً حین تکون اللغة العربیة لغة الهدف، وذلک خلافاً لما یحدث فی الحالات الطبیعیة حیث یسهل على المترجم أن یترجم من اللغة الأجنبیة إلى اللغة الوطنیة لأن إتقانه اللغة الأم مسألة بدیهیة.  وباستثناء الترجمات التی یتولاها أدباء من ذوی الکفاءة باللغتین المرسلة والمستقبلة ظلت معظم الترجمات العربیة الشائعة تعانی من ضعفٍ شدید فی مختلف المجالات المعرفیة، وکان قراء الترجمات إلى العربیة یشتکون بوجه خاص من ضعف لغة المترجمین واستهانتهم بقواعد اللغة العربیة وجمالیات أسالیبها، وأحیاناً ینفرون من أیة استعمالات لغویة مستعارة حتى لو کانت شائعة على المستوى العالمی من مثل : یلعب دوراً play a role واللاعبون الکبار Grand players ، وعبارات أخرى کثیرة کثیرة کان یشمئز منها أساتذة اللغة العربیة، ثم أصبحت مألوفة فی هذه الأیام بعد أن أخذت اللغات بمبدأ الاستعارة اللغویة ولاسیما حین یبلغ المصطلح درجة الانتشار العالمی.

بدأت بهذه المقدمة لکی أوضح أننی لست من المتشددین فی مسألة الاستعارات اللغویة على المستوى العالمی، ومن الواضح أن جمیع لغات العالم الیوم تتفاعل وتتکامل من خلال هذا التفاعل.  ولکن مشکلة المترجمین فی المجال العربی لها وجه آخر یتمثل فی الضعف اللغوی المستشری فی الترجمات بسبب غیاب أی تأهیل لغوی عربی لدى المترجمین.  وأکثرهم لا یکلفون أنفسهم مشقة تحسین معرفتهم باللغة الأم.  وهنا نتذکر مقولة کان یرددها الموسیقار والمترجم الأمریکی تید روریم مفادها أن فن الترجمة یکمن فی إتقان اللغة الأم بمستوى أعمق من معرفة اللغة الأجنبیة.  وبالطبع هذا الحکم ینطبق على الترجمة من وإلى الأزواج اللغویة المختلفة.

ومن المؤسف جداً أن تعلیم اللغات الأجنبیة فی البلاد العربیة أخذ یوغل یومیاً فی الترکیز على اللغة الأجنبیة قبل العربیة، کما أن المدارس الأجنبیة التی یشتد الإقبال علیها أخذت تدرّس اللغة العربیة للأجیال الناشئة بطریقة هجینة تکاد توحی للمتعلم أن اللغة الأصلیة هی الأجنبیة ولیست اللغة العربیة سوى مکمّلة للغة الأجنبیة، ربما على سبیل رفع العتب والتحایل على القوانین والتعلیمات الرسمیة المتعلقة بتدریس اللغة الأم.  ولکن حتى هذه القوانین، أخذت تسترخی فی بلاد عربیة کثیرة ولاسیما فی معظم منطقة الخلیج العربی.  وفی هذه الحالة لا نتوقع تحسناً فی مستوى الترجمة من العربیة وإلیها، بل قد لا نحتاج إلى الترجمة.

وهکذا یتضح أن مستقبل الترجمة العربیة قاتم جداً لأن أقسام اللغات الأجنبیة فی الجامعات العربیة ترفض أیضاً تخصیص مقررٍ لتدریس اللغة العربیة، ولا ندری هل مدرّس الترجمة فی هذه الأقسام مؤهل لإعطاء لغته الوطنیة الاهتمام الکافی، ومعظمهم طبعاً من متخرجی الجامعات الأجنبیة.  وهناک استثناءات عائدة طبعاً إلى وعی الأسرة بضرورة الاهتمام باللغة العربیة فی مراحل التعلیم المبکرة.

وقد یقول قائل إن معظم الناشرین العرب لدیهم مصحح لغوی.  ولکن کما ذکرنا سابقاً لیس کل من یحمل الإجازة فی اللغة العربیة یمکن أن یتصدى لمسألة المراجعة.  ولذلک نجد کثیرین –وکاتب هذه السطور منهم- حین یبعث مخطوطاً ینبه إلى ضرورة عدم عرضها على المصحح اللغوی لأن تجاربنا تدل على أن المصحح اللغوی یکون فی العادة مدرساً للغة العربیة (ویا لیتهم یتقنونها بعد أن تدنى مستوى التعلیم)، ومعظمهم لا یطالعون سوى الکتب المقررة التی تکون عادة متخلفة عن المصطلحات والاستعمالات اللغویة المستجدة لأن اللغات المصاحبة للاکتشافات العلمیة والعلاقات الدولیة متجددة باستمرار، وفی کثیر من الأحیان یکون موضوع المخطوط المطروح للطباعة غریباً عن ثقافة المصحح فتؤدی تدخلاته إلى تشویه الکتاب المعدّ للطباعة. وبالمناسبة نشیر إلى أن دور النشر المحترمة فی العالم لا تسمح بنشر أی کتاب إلا بعد مراجعته على ید متخصص قدیر لیس فی اللغة فقط بل فی المجال المعرفی المقصود فی المشروع المترجم.

یضاف إلى کل ما تقدم أن لغات العالم المعاصر تحتاج دائماً إلى تغذیة تناسب التطورات العلمیة والتجاریة والعلاقات الدولیة ذات المفردات المتغیرة باستمرار.  ولا یجوز للمترجم ولا للمصحح اللغوی الإغضاء عن هذه التغیرات التی تطالعنا یومیاً.  ثم إن الدلالات اللغویة وإیحاءاتها تخضع للتطورات الناجمة عن حرکة العولمة إلى جانب التطورات الطبیعیة التی تحکم لغة المجتمع الذی تتطور احتیاجاته ومفاهیمه تحت وطأة التطورات الطبیعیة للعلاقات الاجتماعیة.  وهنا یحسن أن نتذکر الحکایة الطریفة التی حدثت للرئیس الأمریکی جیمی کارتر.  إذ حین أتیحت له زیارة بولونیا فی أواخر ولایته اصطحب معه المترجم البولونی العامل فی البیت الأبیض، وکان المترجم المسنّ من البولونیین الذین هربوا مبکراً من الحقبة الشیوعیة.  وفی خطاب للرئیس کارتر على جمع حاشد فی العاصمة البولونیة لاحظ الرئیس ومرافقوه أن الجمهور کان یصفق ویضحک مع أن الرئیس کارتر هو من أکثر الناس جدیة ووقاراً.  وبعد الانتهاء من الخطبة حقق المسؤولون فی الموضوع وتبیّن لهم أن المترجم البولونی الذی غاب عن بولونیا أربعین سنة لم یکن على اتصال بتطورات لغة وطنه، فکانت عباراته مضحکة.  وعند عودة الرئیس أنهى عمل المترجم فوراً وعزله، ولکن الصحافة الأمریکیة لأسباب سیاسیة وربما إنسانیة، احتجت على عملیة طرده إلى درجة أن الرئیس اضطر إلى إعادته إلى وظیفته (ربما لیدرس البولونیة من جدید!!).

وتقودنا حکایة کارتر إلى مسألة أخرى شدیدة الأهمیة وهی الحساسیة اللغویة التی بغیرها لا تنجح الترجمات ذات المستوى الفنی الرفیع.  ویظهر ذلک جلیاً فی ترجمة الشعر وهناک مناقشات عویصة وطریفة حول هذا الموضوع تبرهن على الصحة النسبیة للمقولة الإیطالیة الدارجة : المترجم خائن.

ثم إن الدراسات الأنثویة Feminine Studies فتحت النار مجدداً بقیادة سوزان باسنت التی رفعت من شأن الترجمة ودعت إلى اعتبارها مساقاً علمیاً بدیلاً للأدب المقارن.  ومهما یکن من أمر ننادی مع میخائیل نعیمة :"فلنترجم"؛ ولکن نضیف إلیها الدعاء : ارحموا الترجمة وارحموا اللغة العربیة وامنحوها من الاهتمام بعض ما تمنحونه للإنکلیزیة والفرنسیة وإلا فلِمَ الترجمة إلى العربیة؟  ذلک الشاب العربی الذی یتقن الانکلیزیة أو غیرها من اللغات الأجنبیة لا یحتاج إلى اللغة العربیة لقراءة الترجمات من اللغات الأخرى.


[1] . کتبت عنها الکثیر فی مجلة "مرکز تعریب التعلیم العالی فی الوطن العربی"، التابع للمنظمة العربیة للتربیة والثقافة والعلوم، تصدر من دمشق منذ عدة سنوات.

[2] . للتفصیل راجع : عبد اللطیف اللعبی " تلقیت سیلاً من رسائل الشعراء والنقاد یثنون على [الفرنسی]، جریدة الحیاة، فی 13/3/1992، ص 16.  ولکن بعد ذلک تعاقبت ردود تنقض هذا الثناء.

[3] . للتفصیل تمکن مراجعة کتاب قدیم لحسام الخطیب بعنوان : " ملامح فی الأدب والثقافة واللغة " ، وزارة الثقافة ، دمشق 1976 ، ص 322-...

[4] . للتوسع تمکن مراجعة :

Suzan Bassnett-Mc. Quire:

Translation Studies.  Methued : London and New York, 1980.

 

[5] . انظر مثلاً مشروع " فرنسا والعروبة" الذی یتمیز بترجمات مختارة من الثقافة العربیة القدیمة والحدیثة إلى جانب الترجمات من الفرنسیة إلى العربیة.

/ 0 نظر / 92 بازدید