توفیق الحکیم ..هل کان عدوا للمرأة فعلا ؟!

فی کتاب صادر حدیثا عنوانه "عصفور الشرق/ توفیق الحکیم" تجری لوسی یعقوب حوارا مطولا مع الحکیم لعله من الحوارات الأخیرة التی أجریت معه فی السنوات القلیلة التی سبقت رحیله فی 26 یولیو 1987 فی هذا الحوار یعرض الحکیم لجوانب مختلفة فی سیرته وأعماله منها رأیه بالمرأة أنه یثنی علیها أیما ثناء فإذا ذبل عقل المرأة ومات ذبل عقل الأمة ومات، وهی کالصاعقة تفقد الرجل حریته وقد ولد الفن معها ولو لم توجد لربما وجد العلم لا الفن، ولکنه یرفض صفات کثیرة منها الترجل أو التصرف کالرجل ومنها الأثرة أی السعی للاستئثار بکل شیء وهو یکره المرأة الغبیة، ولو کانت جمیلة وهو یحب المرأة ویخشاها فی الوقت نفسه!

فی هذا الحوار یعید توفیق الحکیم تناقضه فی موضوع المرأة إلى رواسب طفولته الأولى لم یجد الحنان فی حضن أمه الشخصیة القویة المتعالیة فابتعد عنها وولد هذا الابتعاد فی نفسه میلا إلى الانطواء والعزلة والتأمل وکل ذلک قاده إلى الفن وتمثل الفن والحنان عنده فیما بعد فی "الأسطى حمیدة" المطربة الشعبیة الاسکندرانیة فتعلق بها کتعویض عن الحرمان الذی لقیه فی طفولته.

وهو یخاف من المرأة، تأتی المرأة کالصاعقة، کالقدر الداهم سواء کانت طیبة أو شریرة، فهی فی کلتا الحالتین سوف تکبل الرجل فی فکره وفی حیاته!

وإلى جانب الخوف هناک الکراهیة: إننی أکره المرأة التی تتشبه بالرجال، ولا أکره ثقافتها، إن الأنثى تفقد کثیراً من جمالها وأنوثتها إن غادرت منطقة الأنوثة، أیام "صینیة البطاطس" کانت سیدات الصالون اللائی فهمن الحریة والتحرر بمفهوم عکسی، یستنکفن دخول المطبخ، إنهن "سیدات صالون" و"زهرات مجتمع" لیس إلا، وهذا فی رأیی ینافی طبیعة المرأة التی خُلقت للبیت ومسؤولیة هذا البیت.

أما سر هذا العداء الذی اشتهر عنه فمرده إلى "إننی وجدت أن المرأة مخلوق یرید أن یستأثر بکل شیء فی حیاتنا.

لذا فإن عداوتی لهذا المخلوق لن تنقطع ما دمت أخشاه!

إن عداوتی لیست إلا دفاعاً عن نفسی فلو أن المرأة تمثال من الفضة فوق مکتبی أو باقة من الزهر فی حجرتی أو أسطوانة موسیقیة أنطقها وأسکتها بإرادتی لما کان عندی غیر تقدیس وإکبار لا یحدهما حد ولکنها للأسف شیء یتکلم ویتحرک"!

ورغم هذه الصورة القاتمة التی یرسمها الحکیم للمرأة فإنه یعترف أن من المستحیل أن نرى فی التاریخ حضارة قامت بدون المرأة ولا انحطت بدونها ."فإن فی یدیها العبقریتین، عبقریة الفناء وعبقریة البناء. إن صالونات السیدات فی أوروبا، ومجالس الشعر والغناء فی الشرق عند العرب، هی التی أخرجت أجمل ما فی الغرب والشرق من شعر وآداب وفنون".

ویضیف:"وعندما یقال إن مصر الحدیثة لم تر بعد فنا ناهضا، ومن ثم لم تبد أمام العالم بعد فی ثوب الأمة المتحضرة ، فإن السبب الوحید لذلک، هو أن المرأة المصریة ذات الذوق والروح مازالت فی مصر نادرة الوجود".

أما إذا تکلم عن الفن ، فهو یقول "إن المرأة هی روح الفن، ولو لم توجد المرأة على هذه الأرض ، فربما وجد العلم، ولکن من المحقق أنه ما کان یوجد الفن"!

ذلک أن الإلهام الفنی هو نفسه قد خلق على صورة امرأة. ثم إن لکل لون من ألوان الفن عروسا هی التی تنثر أزهاره على الناس ما من فنان على هذه الأرض أبدع شیئا إلا فی ظل امرأة.

المرأة والحب قصة یجب ألاتنتهی بنظرة فی مخلفات بیتهوفن، یقول الحکیم إنه عثر على هذه الأسطر الدامعة :

"الحب.. لیس غیر الحب هو وحده الذی یستطیع أن یجعل حیاتک سعیدة آه..یا إلهی!

دعنی أجدها أخیرا، تلک التی فی مقدورها أن تدعم فضائلی، تلک التی قد تسمح لی أن تکون زوجتی!!

عند الحکیم الحب هو روح الفنان، ولا حیاة لفنان بدون حب.

ویبدو أنه ذاق الحب حتى ثمالته، بدلیل أنه یجیب عندما تسأله لوسی یعقوب عن اللمسة السحریة التی تهز مشاعر المرأة: "لا داعی لهذه الذکرى، ولا داعی لهذا التساؤل الذی أعرفه. إن هذه الذکرى تملأ جوانب نفسی بالأسى والألم والشجن.

کانت تودعنی بقبلتها طوال حیاتی معها. ولم یتضاءل فکری بجانبها مرة واحدة لیهمس لها بکلمة حب . آه لو عاد بی الزمن، وعادت هی إلیّ.

ما کنت أحرمها من هذه الکلمة التی کانت تتوق إلیها من فم زوجها.

کنت اعتقد أن هذه الکلمة لا لزوم لها ولکنی أدرکت الآن أنها أکسیر الحیاة"!

ولا یتردد الحکیم فی القول إنه بموت الحب على الأرض، ینتهی العالم وأن الحب الأفلاطونی ، أو الحب العذری هو أسمى وأنبل ألوان الحب إنه حب بلا حدود، بلا مقابل، بلا رؤیا ، بلا تعاطف إنه انصهار روح تحترق على الورق ، ولا تبتغی أکثر من الإفضاء بما یضنی النفس ، لعل فی هذا الإفضاء إرضاء للروح والقلب والفکر.

ویجول الحکیم فی بعض أعماله ومنها "راهب الفکر" و"الرباط المقدس" ویعلن بلا مواربة أنه لا یرى الحب إلا فی طهارته، ولا یرى الإنسان إلا فی قداسته وکرامته ، وبخاصة الأدیب ،أو "راهب الفکر" کما یسمیة" لقد کنت دائما أزدری أولئک الذین ینشرون على الناس أدبا رفعیا وجمالا بدیعا، ثم یعیشون حیاة کلها ضعة وخسة وقبح فالکاتب الحق فی نظری هو مثل یحتذی به فی باطنه وفی ظاهره وإن لم یکن کذلک فهو إذن مهرج یلبس للناس على الورق ثیاب الملوک، وإذا خلا بنفسه خلعها وبدا فی حقارته کأنه شحاذ"!

ولکنه فی صورة أخرى، وبعد لحظات یغیر رأیه تسأله لوسی: هناک من یقول إن الحب جنس، ولا وجود للحب الجنسی، حتى فی "راهب الفکر" ، یحبها أولا ثم بعد ذلک لا یعود هناک حب ، بل رغبة مشتهاة إنها "تاییس" أناطول فرانس ثانیة".

ویوافق الحکیم على تحلیل لوسی، فیجیب :"نعم مع الأسف.

لقد اتضح بعد التجربة أنه ما من رجل یحب فی المرأة غیر المرأة ! ولکن تاییس أناطول فرانس استطاعت ان تسمو وتضیء بل أصبحت مضیئة بنور الفضیلة کان جسمها محاطا بالدنس ولکن روحها کانت سامیة وطاهرة ، تماما کالزهرة الناهضة فوق الطین ویکفیها أنها کانت ساقطة أمام الناس ولکنها فی فضیلتها وطهارتها ، قدیسة تفتح لها أبواب السماوات.

ویعود (عدو المرأة) لیؤکد عداوته لهذا المخلوق الغریب العجیب الذی یحبه ویکرهه ویخافه ویأخذ علیه مآخذ کثیرة.
المرأة هی أیضا طریق الشر. لم یتمکن "راهب الفکر" من الصمود، وأفلحت الأنثى الماکرة فی استدراجه إلى میدانها.

کیف حدث هذا ؟ إنها المرأة، التی هی نوع من أنواع أزهار الحب التی تنبت فی المستنقعات. کیف حدث هذا؟ کیف حدث هذا الحب الأخیر الذی صنعته هی؟ الحب الذی هو الجنس من صنعها ومن غرسها. أما الحب الأول، الحب العذری أو الأفلاطونی فمن صنعه هو، أی من صنع (راهب الفکر)!

ویهتف الحکیم من قلبه: آه من المرأة ذلک الجهاز المشبع بالکهرباء الذی یلقی منذ مطلع الأجیال تیارات وموجات لا تلتقطها إلا الغرائز. فما العطور التی عرفتها المرأة منذ فجر التاریخ، بما تذیعه فی الجو من شذى، إلا إشارات لاسلکیة تخاطب بها حواس الرجال. وکذا النظرات والبسمات والتنهدات وکل ما یهیئ على البعد أثرا یطیش بالعقول.

هنا تبرز مهمة (رهبان الفکر). فبإمکانهم إضاءة النفوس، لتنطلق فی صدور النساء المشاعر العالیة والأفکار السامیة!

وتقول له لوسی: أراک تظلم المرأة کثیراً: المرأة هی القداسة، هی الوفاء هی الأرض الطیبة.

ویجیب الحکیم موافقاً: إن المرأة النادرة هی هبة من هبات الله والمرأة الفاضلة جوهرة أصیلة. وقد خلق الله (راهب الفکر) فی خیاله صورة لهذه المرأة. کان طیفا من صنعه، والمشاعر من مشاعره، وهی امرأة کاذبة ملونة المظهر. إنه التزییف، وهذا ما أرفضه أنا. وکان عالم الحق والفضیلة، هو ذلک الواجب الذی یجب أن یجده کل مفکر وکل أدیب فی کتاباته: عالم الخیر والفضیلة، عالم الوفاء!

وتدافع لوسی عن نفسها، أو عن بنات جنسها، أو عن المرأة دفاعا حارا له تجلیاته فی الواقع، فیکتفی الحکیم بأن یقول لها: ربما . ربما . ولکن عقیدتی فی المرأة ما زالت هی هی لم تتغیر. أحبها وأخشاها، وأتمنى البعد عنها. البعد عنها غنیمة. فهی دائما شر، وأعیش بالمثل الذی یقول: ابعد عن الشر وغنی له!

ویروی قصة زواجه على النحو التالی: کنت سعیدا موفقا فی زواجی خصوصا أن زوجتی لم تضیّق علی قط ولم تتذمر أبدا. فقد کانت تفهمنی جیدا، وتساعدنی فی عملی. أسافر فلا تعترض، أقفل الحجرة علی عشر ساعات. أقرأ. أکتب خلالها، فلا تسأل کیف ولماذا، ولا تتأفف.

وقد کتبت إلیها إهداء فی کتاب واحد هو سجن العمر قلت فی الإهداء: إلى التی عاونتنی وساعدتنی فی إخراج هذا الکتاب وإنتاجه، لما دبرته لی من جو الهدوء التام بابتعادها عن البیت!

وقد کنت أحثها على مغادرة البیت حین أکون مشغولاً بالکتابة فأقول لها: انت مش تروحی تشوفی أهلک؟

فتفهم على الفور.. وقد کانت تقرأ کتبی کلها، ومقالاتی، کأی قارئ عادی. أی إنه لم یحدث لی قط أن أطلعتها على کتاباتی قبل نشرها.. أنا أعرف أنهم یقولون: وراء کل عظیم امرأة.. ولکن هذا القول لا ینطبق علی. فإن أشهر کتبی قمت بتألیفها قبل الزواج.

ویترک الفنان الکبیر توفیق الحکیم الفن جانبا لیتحدث کما یتحدث الإنسان العادی لیقول:

- أنا نادم الیوم کل الندم على تأخری فی الزواج. فلو تزوجت فی سن مبکرة لکان لی الآن أحفاد کثیرون وأسرة کبیرة ولذلک فإننی الیوم من دعاة الزواج المبکر، وأحث الشباب على الإسراع فی العثور على نصفهم الثانی. وفی اعتقادی أن الشاب یمکنه أن یتزوج فی الخامسة والعشرین من عمره، فهذه هی السن المناسبة للزواج. ومعنى هذا أننی ترکت عشرین سنة تجری من حیاتی وأنا عازب بدون مسوغ..

ویعود الحکیم فی خاتمة حواره الممتع مع لوسی یعقوب لیقول لها إن والدته قالت له بعد أن تأخر فی زواجه: من الأفضل ألا تتزوج أبداً بعدما تأخرت طوال هذه السنوات.. وکان فی ظنها أن العزوبیة أفضل وأسلم من زواج الشیخوخة. إننی أتجنب المرأة الغبیة حتى ولو کانت جمیلة، علماً بأنه لیس بإمکانی أن أتصور امرأة قبیحة، فالجمال وحدة لا تتجزأ، وجمال المرأة جزء من جمال الفن والطبیعة.. هذا بالإضافة إلى أن المرأة القبیحة تعطل وظیفة العین، وتشوه عملیة النظر.

وکان آخر ما باح به توفیق الحکیم أنه یفضل زواج العربی من عربیة لا من أجنبیة، لأن العربیة أقرب إلى العربی فی التفکیر والعقلیة والقلب!

/ 0 نظر / 41 بازدید