الترویح عن النفس فی الإسلام

من أدلة جواز الترویح:

1 - ما روی فی صحیح مسلم من حدیث حنظلة وفیه قال: ( نافق حنظلة یا رسول الله ! ) فقال رسول الله : { وما ذاک؟ } قال: ( یا رسول الله نکون عندک تذکرنا بالنار والجنة حتى کأنا رأى العین، فإذا خرجنا من عندک عاسفنا - ( اشتغلنا بها، عالجنا معایشنا وحظوظنا ) - الأزواج والأولاد والضیعات نسینا کثیراً )، فقال رسول الله : { والذی نفسی بیده إن لو تدومون على ما تکونون عندی، وفی الذکر، لصافحتکم الملائکة على فرشکم وفی طرقکم، ولکن یا حنظلة ساعة وساعة } ثلاث مرات.

2 - وفی الصحیح عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضی الله عنهما: أن الرسول قال: { صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدک علیک حقاً، وإن لعینک علیک حقاً، وإن لزوجک علیک حقاً، وإن لزورک علیک حقاً }، وفی روایة مسلم: { یا عبدالله بن عمرو: إنک لتصوم الدهر وتقوم اللیل، وإنک إذا فعلت ذلک هجمت له العین ونهکت، لا صام من صام الأبد }.

3 - وما روی عن أنس بن مالک عند أبی داود أن النبی قال له: { یا ذا الأذنین } یعنی یمازحه.

4 - ما فی الصحیح عن محمود بن ربیع أنه قال: إنی لأعقل مجة مجها رسول الله فی وجهی وأنا ابن خمس سنین من دلو.

5 - ما روی عن عائشة رضی الله عنها أنها کانت مع النبی فی سفر قالت: ( فسابقته فسبقته على رجلی، فلما حملت اللحم، سابقته فسبقنی ) فقال: { هذه بتلک } [رواه أبو داود].

6 - وما عند مسلم عن عائشة رضی الله عنها قالت: ( والله لقد رأیت رسول الله ، یقوم على باب حجرتی والحبشة یلعبون بحرابهم فی مسجد رسول الله ، سترنی بردائه لکی أنظر إلى لعبهم، ثم یقوم من أجلی حتى أکون أنا التی أنصرف، فاقدروا قدر الجاریة الحدیثة السن حریصة على اللهو ).

خصائص الترویح عن النفس فی الإسلام:

الإسلام نظام متکامل - عقیدة وشریعة - لا بد أن تنبثق عنه جمیع تصورات ومبادىء وقیم وسلوکیات المسلم، فموضوع الترویح لا بد أن ننظر إلیه من خلال الخصائص التی أعطاها له الإسلام، ومنها أنه:

1 - عبودیة لله: کما قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِی وَنُسُکِی وَمَحْیَایَ وَمَمَاتِی لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ (162) لاَ شَرِیکَ لَهُ [الأنعام:162،161]، والترویح هو جانب من جوانب المحیا فی حیاة المسلم، فهو لله فی حال إصلاح العبد لنیته وممارسته بشروط حلِّه، واتخاذه وسیلة لا غایة، وغیر ذلک من الضوابط التی سنذکرها بإذن الله، وقد روی عن أبی الدرداء أنه قال: ( إنی لأستجم قلبی بالشیء من اللهو لیکون أقوى لی على الحق ).

2 - ثابت المعالم متجدد الوسائل: فلا بد فیه من عدم تجاوز جوانب یوجب الإسلام ترکها - لحرمتها أو ضررها - فینضبط بضوابط الإسلام ویحتکم بأحکامه، وما سوى ذلک فللإنسان أن یبدع ویجدد فیه ماشاء من کیفیات ووسائل.

3 - یراعی طبیعة الفطرة الإنسانیة: فنجد أنواع الترویح المشروع شاملة لجمیع حاجات ودوافع الإنسان التی تتطلبها جوانبه المختلفة ( الروح، العقل، الجسد ) مما یدل على أن من خصائصه العموم والشمول ومراعاة الفطرة.

ضوابط الترویح عن النفس فی الإسلام:

1 - الأصل فی الترویح الإباحة:

لقوله فیما رواه أبو الدرداء رضی الله عنه: { ما أحل الله فی کتابه فهو حلال، وما حرم، فهو حرام، وما سکت عنه فهو عافیة، فاقبلوا من الله العافیة، فإن الله لم یکن نسیاً، ثم قرأ هذه الآیة وَمَا کَانَ رَبُّکَ نَسِیّاً [مریم:64] }. ومن قواعد الشریعة أن الأصل فی الأشیاء الإباحة حتى یدل الدلیل على التحریم.

2 ـ الترویح وسیلة لا غایة:

فهو وسیلة لتحقیق التوازن بین جوانب الإنسان المختلفة، فی حالة وجود اختلاف بالإفراط فی جانب على حساب الجوانب الأخرى، وإذا تجاوز النشاط الترویحی هذا الحد وأصبح هدفاً فی ذاته، فإنه یخرج من المستحب أو المباح إلى الکراهیة أو الحرمة، فیخرج مثلاً احتراف بعض الأنشطة الترویحیة عن دائرة المباح أو المشروع، لأن فی ذلک إلهاءً عن الواجبات الأساسیة. فالإسلام قد رفض الإفراط فی کمیة العبادات الشرعیة، مثال قوله : { إذا قام أحدکم من اللیل فاستعجم القرآن على لسانه فلم یدر ما یقول، فلیضطجع } [رواه مسلم]. فهذا نهی عن زیادة کمیة عبادة، فما بالنا بأمر مباح لم یأمرنا الشارع به، حتى نزده على المأمورات ! !

3 - الجد هو الأصل والترویح فرع:

سبق أن ذکرنا أن الترویح إنما هو حالة علاجیة لحصول اختلال فی إعطاء کل جانب من جوانب الکائن البشری ما یستحق من نشاط وقوة، لیعود الإنسان بکافة جوانبه مواصلاً سیره إلى الله بجد ونشاط، ویظهر ذلک جلیاً فی أقواله وأفعاله، حیث قال کما عند ابن ماجه: { ولا تکثر الضحک فإن کثرة الضحک تمیت القلب }. وما روی فی صحیح مسلم عن سماک قال: ( قلت لجابر بن سمرة أکنت تجالس رسول الله ؟ ) قال: ( نعم کثیراً، کان لا یقوم من مصلاه الذی یصلی فیه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، فکانوا یتحدثون فیأخذون فی أمر الجاهلیة فیضحکون ویبتسم ). فقد کان مقدماً للجد على الترویح کما ظهر.

4 - ألا یکون فی النشاط الترویحی مخالفة شرعیة:

وهذا هو الضابط الأهم من ضوابط النشاط الترفیهی ولتطبیقه صور مختلفة منها:

ألا یکون فی النشاط الترویحی أذیة للآخرین من سخریة، أو لمز ونبز، وغیبة، فقد قال تعالى: یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لَا یَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن یَکُونُوا خَیْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن یَکُنَّ خَیْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَکُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِیمَانِ وَمَن لَّمْ یَتُبْ فَأُوْلَئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا کَثِیراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا یَغْتَب بَّعْضُکُم بَعْضاً أَیُحِبُّ أَحَدُکُمْ أَن یَأْکُلَ لَحْمَ أَخِیهِ مَیْتاً فَکَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِیمٌ [الحجرات:12،11]، أو أذى بترویع لقوله : { لا یحل لمسلم أن یروع مسلماً } [رواه أحمد وأبو داود]، ولا بأخذ متاعه واعتداء على ممتلکاته، لقوله عند أبی داود: { لا یأخذ أحدکم متاع أخیه لاعباً ولا جاداً }.

ألا یکون فی النشاط الترویحی کذب وافتراء؛ فقد قال : { ویل للذی یحدث فیکذب لیضحک به القوم، ویل له ! ویل له ! }، [رواه داود وصححه الحاکم ووافقه الذهبی].

ألا یکون فیه تبذیر للمال واستهلاک باذخ، قال تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْکِینَ وَابْنَ السَّبِیلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِیراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِینَ کَانُواْ إِخْوَانَ الشَّیَاطِینِ وَکَانَ الشَّیْطَانُ لِرَبِّهِ کَفُوراً [الإسراء:27،26 ]، وهذا فی أمر واجب وهو الإنفاق على ذی القربى والمسکین وابن السبیل فکیف الحال فی الترویح؟ ! !

ألا یکون فی النشاط الترویحی اختلاط لما یفضی إلیه ذلک من النظر المحرم، والخلوة المحرمة، بالإضافة إلى أنه قد یکون ذریعة لمخالفات شرعیة أکبر، والله تعالى قد نهى عن مجرد قربان الزنا ولم یقتصر على تحریم الزنا، بل القربان فقد قال تعالى: وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ کَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِیلاً [الإسراء:32].

ألا یکون فیه معازف لقوله : { لیکونن من أمتی أقوام یستحلون الحر والحریر والخمر والمعازف } [رواه البخاری].

ألا یکون من نرد لقوله : { من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله } [رواه أحمد وأبو داود] وقوله: { من لعب بالنردشیر فکأنما غمس یده فی لحم الخنزیر } [مسلم].

ألا یکون من میسر، قال تعالى: یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَیْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّیْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90].

ألا یکون فیه تحریش بین البهائم فقد نهى رسول الله عن التحریش بین البهائم [رواه الترمذی].

ألا یتخذ ما له روح هدفاً، قال : { لا تتخذوا شیئاً فیه الروح غرضاً } [رواه مسلم].

تصویر ما له روح، قال : { من صور صورة فی الدنیا کلف یوم القیامة أن ینفخ فیها الروح ولیس بنافخ } [رواه البخاری].

النظر إلى ما حرم الله لقوله تعالى: قُل لِّلْمُؤْمِنِینَ یَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَیَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِکَ أَزْکَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِیرٌ بِمَا یَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ یَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَیَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:31،30].

5 - ألا یکون فیه ضرر على ممارسه:

لقوله : { لا ضرر ولا ضرار } [رواه أحمد]، وللقاعدة الشرعیة: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام.

وبما سبق یتضح لنا الرؤى حول کثیر من أسالیب الترویح والترفیه المستحدثة، وبناء على الضوابط السابقة نستطیع قیاس أی أمر وارد جدید...

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبینا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

/ 0 نظر / 50 بازدید