Redirect Code

Page has moved

Redirector Code

دانشجویان رشته ادبیات عرب دانشگاه تهران ورودی 1387

الرجل والمرأة.. عازف وقیثارة
نویسنده : مسلم سلیمانی - ساعت ۱۱:٤٤ ‎ب.ظ روز یکشنبه ٦ اسفند ۱۳٩۱
 
"رأیت المرأة کالقیثارة بین یدی رجل لا یحسن الضرب علیها فتسمعه أنغامًا لا ترضیه" تشبیه وفکرة ومعنى سطره جبران خلیل الجبران فی قطعة أدبیة بعنوان "رؤیا" ونشرت ضمن کتاب "دمعة وابتسامة" قد تمر عیناک على جملة کهذه، وقد تتوقف عندها لثوان، أو ترکض عیناک مبتعدة عنها دون أن تعی منها کثیرًا، لکنها أثارتنی وشغلتنی طویلاً، وکأن جبران قد صور فیها أشیاء کثیرة وربط بینها ربطًا رائعًا، وصور الواقع بأبسط وأصدق ما یکون.
ففی عبارة جبران وحیث تراءت له العلاقات والمعانی فی الرؤیا جاء الرجل والمرأة لیعبران عن سر المشکلة الدائمة والقائمة بینهما، تقول الکتب الإجتماعیة أن المشکلة بین الرجل والمرأة لن تحل إلا إذا اقتنع الاثنان بأنهما حقًا مختلفان، فلا یطلب الرجل من المرأة ما یقدمه الرجل للرجل، ولا تطلب هی مثل ما تمنح المراة للمرأة، وهذه حقًا مشکلة، إلا أن جبران صور ما هو أدق من ذلک، إنها العلاقة التی تحل المشکلة أو تعقدها، إن علاقة الرجل بالمرأة کالعازف مع القیثارة، إن لم یکن عازفًا ذو خبرة وحس أخذ یضرب على القیثارة إما بعنف زائد أو بلطف مبالغ فیه، فتأتی ألحانه عنیفة مزعجة، أو متراخیة مملة باردة لا دفء فیها ولا حس تنبض به، وإن لم یفقه من العزف مبادءه وأصوله جاءت ألحانه أبعد ما یکون عما تستعذبه الأذن وتنفعل به العاطفة ویرق له القلب وتجیبه المدامع، ونحن نرى أمهر الموسیقین وقد توحدوا مع آلاتهم فصاروا شیئًا واحدًا، حتى أنک لتعجب کیف جاء ذاک اللحن من آلة، وإن أنت فصلت بین العازف وآلته ومنحت کل واحد منهما شریکًا آخر اختلت الألحان فلا العازف هو العازف، ولا الآلة هی الآلة.
ولم یعنی جبران الآلة فی کونها صماء، فلم تکن المرأة فی فکر جبران صماء مطلقًا، کانت دومًا ملهمة وشاعرة، وحین تعیش بین کتابات جبران تجد المراة دومًا صدیقة وحبیبة وفیة، وترى الطبیعة فی عینیه تجسدت کالمرأة ، وتراه یصفها ویغازلها ویلاطفها ویعشقها، فما أبعد جبران عن وصف المراة بالآلة الصماء، وإنما أراد من وصفه العلاقة التی تجعل الرجل قائدًا للعلاقات، فالمرأة بطبعها لن تطلب الرجل، فهو یبدأ بالتحیة، وقد یبدأ بالنظرة، وقد یصرح هو بالحب بدایة، وعلیها أن تمنحه الإشارة لیتقدم أکثر، فإن کان فطنًا شاعرًا عرف ما تعنی إشارتها بالعین أو الشفتین او اللسان أو الید، وإن کان دون ذلک تاه فی بحر لجی من الحیرة، فیظنها مرة تکرهه، ومرة تزدریه، ومرة لا تبادله حبًا بحب، ومرة متکبرة متغطرسة، ومرة باردة کالثلج، وظنها مرة عاشقة له، ومرة تدعوه، ومرة تمنعه... وهکذا حتى یضیع العمر ویغرق حتى أذنیه وتنساه السعادة ویودعه الحب.
وإن فطن لإشاراتها اقترب أکثر وتبادلا ما تبادلا من الحدیث، وإن وجدت شعلة الحب بینهما فعلیه أن یبدأ للمرة الثانیة، إنه المقاتل الذی یحمل سیفه ویتقدم الصفوف، وعلیه ألا یتنازل عن شجاعته، ولأجل هذا تقدره المرأة، کلما کان قائدًا حازمًا کلما کان أکثر قربًا، ومع ذلک فهو عازف یعرف کیف یحاکی قیثارته، فتارة یهز الأوتار هزًا خفیفًا فتستجیب له باعثة لحنًا عذبًا تستکین له الروح وتهدًا، وتارة یزید من ضرباته فتصدر الألحان أکثر قوة تدب فی عروقه القوة والنشاط والعزیمة، وتارة یشد أکثر فأکثر فتصیر الألحان کالعواصف تهدم جدران الجلید إن قامت وتزیلها بلحظة، ثم یعود فیهدًا وتعود الألحان من جدید.
إن العازف لا یشد على أوتار قیثارته فیمزقها، ولا یحملها لیخرسها، ولا یقذف بها فیحطمها، إنه یمسکها بلطف، ویعتنی بها لأنها سر سعادته ومبعث راحته ودلیل براعته، وهو بدون قیثارته کالأبکم لا یقدر على شیء، بداخله الکثیر من الأفکار والأقوال والعواطف الجیاشة ولا یحسن التعبیر عنها لافنتقاده ألة التعبیر، هکذا تحل مشکلة الرجل والمرأة، وهکذا یکونا متلازمین ، وهکذا یصبحان غیر متنافسین، فلا العازف یغار من قیثارته ویحطمها لأنها تصدر ألحانًا جمیلة تفوقه بروعتها، ولا القیثارة تهرب لغیر العازف الذی یحسن الضرب علیها ، ولا تعانده أو تجرعه الیاس لأنها ستصمت أبدًا بدونه، وهکذا الرجل والمرأة إن أحسن کل منهما لعب دوره فی الحیاة.
وآخر القول کبدایته: "رأیت المرأة کالقیثارة بین یدی رجل لا یحسن الضرب علیها فتسمعه أنغامًا لا ترضیه"